|
لم تكفِ شخصية أوباما, ومهاراتُه الخطابية وسحرُها, في تذليل العقبات الجدية التي تقف في وجه الولايات المتحدة, على الصعيد الخارجي، كما لم يفلح, حتى اللحظة, الوجهُ الجديد للسياسة الأمريكية -الذي استُبدل بوجه إدارة المحافظين الجدد- السابقة في التعويض عن العيوب الكبيرة التي تعتور السياسة الأمريكية تجاه مِنْطَقتنا المنكوبة.
وما زالت الإدارة الحالية تواجه تحديًا كبيرًا في أفغانستان, وإخفاقًا مُحْرجا في قضية السلام بين "إسرائيل" والفلسطينيين.
وقد أدركتْ هذه الإدارة مبكرًا أن مشكلتها الكبرى هي مع العالم الإسلامي؛ فسلَّط الرئيس الجديد اهتمامًا خاصًّا إليه, فكثف من خطاباته التي تحمل صياغةً جديدة, ونَفَسا تصالحيًّا, كما كان في خطابه في أنقرة, وفي القاهرة، استبشر حينها الكثيرون من أهل المنطقة بتلك النبرة التي يفوح منها الاحترامُ للقِيَم الإسلامية, وللحضارة الإسلامية, كما سمح لكثيرين بالتفاؤل بتغيُّر ملحوظ وجدّي في قضية السلام, وتعزَّز ذلك بمواقف أمريكية صريحة عن ضرورة وقف "إسرائيل" للاستيطان، وحق الفلسطينيين في إقامة دولة خاصة بهم.
قامت سياسة أوباما تجاه التقارب مع العالم الإسلامي, أو استرضائه, على تلافي أسباب الاحتقان ومُسبِّبات الغضب, من قبيل إهمال القضية الفلسطينية, والتماهي مع المواقف "الإسرائيلية", كما فعلت إدارة بوش الابن التي ظلَّت تصف آرئيل شارون -رئيس الوزراء "الإسرائيلي" الأسبق- بأنه رجل سلام، كما اختلفت هذه الإدارة مع سابقتها في التصريحات اللفظية تجاه الإسلام, فلم تصف الإسلام بالفاشستية, كما فعل بوش الابن, ولم تعمل على فرض الديمقراطية على العالم الإسلامي فرضًا، ولم تصف الحرب عليه بـ"الصليبية", حتى إنها عدَّلت من مفهوم الحرب على "الإرهاب" وحصرت تعبئتها ضد طالبان والقاعدة.
كان أوباما بذلك يستجيب لتقرير (بيكر- هاملتون) الذي صدر بعد التأزم الأمريكي في العراق أواخر 2006م، وقد أوصى التقريرُ الإدارة الأمريكية حينها بإظهار "التزام متجدِّد ومتواصل" من أجل التوصل إلى "خطة سلام شاملة" بين إسرائيل من جهة والفلسطينيين وسورية ولبنان من جهة أخرى.، مبينًا علاقة ذلك بتحقيق الاستقرار, وتأمين مصالح واشنطن في المنطقة، ولم ترَ إدارة أوباما في الحرب على حركة طالبان وتنظيم القاعدة القابعتين في طرف العالم الإسلامي سببًا قويًّا لتنامي الكراهية ضدها في العالم العربي, بناءً على كون أفغانستان تعرف تعاطفًا هامشيًّا في الفكر العربي والنفسية العربية, تتجاوزه القضية الفلسطينية بالتأكيد.
مظاهر التغيُّر نحو تغليب المصالح
عملت إدارة أوباما على تفعيل قوة أمريكا الناعمة, بعد أن أدى إخفاق سلفِه إلى إرهاق الدولة الأولى في العالم, جرَّاء الإفراط في الاتكاء على القوة العسكرية, وانتهاج نهج الصدام في السياسة الخارجية, وسياسة تقسيم العالم إلى أخيار وأشرار, واستعداء كل دولة لا تنخرط في المشاريع الأمريكية, ولا تشاطر الإدارة السابقة النظرة إلى مشكلات العالم, وكيفية التعامل معها.
ويرى البعض أن أوباما يعمل على تفعيل ما يسمى بالقوة الحكيمة (Smart Power ) وهو تعبير صاغه جوزف ناي -عالمُ السياسة الأمريكية, ومنظِّر القوة الناعمة فيها -العام 2006م، ويعني القدرة على الدمج بين القوتين الصلبة والنا
|