إغواءات الحرية
د. أسامة عثمان
لقد غدت الحرية سلاحاً براقاً أشهرته أمريكا في وجه بعض الأنظمة الحاكمة التي لا تتوافق وسياستها، أو تلك التي تريد ابتزازها، وقد نجحت إلى حد ما، وإلى وقت ما؛ في إيهام الشعوب المظلومة المكبوتة بتصديق ذلك الحرص الزائف - من قائدة الحرية ونموذج الليبرالية الأول - عليها!!، ومن قبلُ كانت نادت على لسان رئيسها الأسبق "ويلسون" بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو الشعار البراق الذي رفعته في وجه الاستعمار القديم؛ لتتخذ منه رسالة للدخول أو للحلول محله في البلاد العربية.
إن الحضارة الغربية الإمبريالية القائمة على رأس المال لا يمكن أن تكون رسولاً لحرية الشعوب وازدهارها، وإن السياسة المحكومة بالمصالح، والموجهة بالأثرياء والصناعيين الكبار لا تتقدم على أجندتها قيمُ الحرية للشعوب وحقوق الإنسان، وإن تلك القيم والأهداف إن وجدت فإنها تبقى في الإطار الثقافي، ولها بعض الحضور في المجتمعات الغربية؛ لرسوخ تلك القيم، وللنضال المرير الذي خاضه المفكرون والمثقفون في سبيلها حتى غدت راسخة مقدسة، ولها ترجمة واضحة في الدساتير والقوانين الغربية.
لكن لم يثبت لها وجود في السياسة الخارجية الغربية بعامة، والأمريكية بخاصة، وخير مثال راهن على ذلك أفغانستان، فالعراق وقد ثبت به بطلان الدعاوى التي أشهرتها أمريكا؛ بل إننا الآن نسمع إعلاناً السبب الحقيقي الذي يقف وراء ذلك التدمير والقتل اليومي الذي أحال العراق مأساة مستمرة، ولم تسلك أمريكا سلوكها في العراق مع تلك الدول (المارقة) التي استجابت للإرهاب والابتزاز الأمريكي مثل ليبيا وغيرها.
وتتبدى الحرية فكرة براقة جذابة تغوي الشعوب المظلومة بمعناها الأول وهو التحرر من الهيمنة الأجنبية أو الأنظمة القمعية المستبدة، وتغوي أفراداً وجماعات بمعناها الفكري الآخر وهو التحرر من القيود، وإطلاق الإرادة دون مساءلة أو رقابة من أي نوع، بما يعنيه ذلك من إطلاق للغرائز، وفوضوية الأخلاق.
وقد بلغ من الافتتان بفكرة الحرية المطلقة أن دفعت بعض (الأدباء) إلى الإعجاب بموقف الشيطان حين قال: لا، في مقابل الأمر الإلهي بالسجود لآدم، فتحول إلى رمز للتمرد عند قسم من الرومانسيين؛ فحمّلوه دلالات التمرد في آدابهم.
كما وجدت الحرية تعبيرات لها في مذاهب أدبية غربية أخرى ومنها السوريالية والوجودية، فالأولى تقوم على تحلل الإنسان من واقع الحياة الواعية، وعلى تحرير واقع اللاوعي المكبوت داخل النفس الإنسانية؛ مما انتهى بهم إلى إنتاج (أدبي) شبيه بالهذيان الحسي، وبخاصة عندما يلجأ السورياليون إلى الطرق المصطنعة كالأفيون وغيره لإطلاق المكبوت، أما الوجودية فترى أنه لا يوجد شيء خارج الوجود اليقيني الذي هو تفكير الفرد، ولا أي شيء سابق عليه، فلا يرون وجود إله ولا مثل، ولا قيم أخلاقية متوارثة لها صفة اليقين، إنما كل هذا تراث عتيق من مصلحة الناس التحلل منه حتى يلقوا عن كواهلهم أوزاراً ثقيلة، وحتى يستطيع الفرد أن ينطلق في الحياة ليحقق وجوده (ينظر: الأدب ومذاهبه: محمد مندور).
الظروف التي ساعدت على اعتناق الحرية:
ولعل الذي ساعد على الاحتفاء بالحرية بل تقديسها عند الحضارة الغربية الليبرالية تلك الظروف التي فيها نشأت؛ إذ عانت أوروبا اضطهاداً دينياً، وحكماً ثيوقراطياً، وسلطة رجال الدين والكنيسة الذين عارضوا العلم؛ واضطهدوا العلماء، وكانت الأصولية المسيحية إحدى الإفرازات لذلك؛ فنشأت الحرية الغربية أو الليبرالية حريةً مطلقة تجعل الفردَ الأساسَ الرئيس والمنطلقَ، وحوله تدور فلسفة الحياة برمتها، وتنبع القيم، ويحدد السلوك، وكان طبيعياً أن يصطدم دعاة الحرية (الليبراليون) برجال الدين؛ لأنهم رأوهم عقبة كأداء أمام انطلاق الإنسان الحر من تلك القيود التي استبدت بها الكنيسة، فكانت حكماً ثيوقراطياً استمدت شرعيتها مباشرة من الإله، ورافق ذلك ظلم اقتصادي تمثل في نظام الإقطاع الذي كان من الأسباب المهمة في قيام الثورة الفرنسية، فمن رحم الاضطهاد الديني، والظلم الاقتصادي؛ ولدت الحرية فكراً وقيمة وسلوكاً، ومكتسباً غالياً في نظر الغربيين يقدسونه ويعتزون به.
والليبراليون ليسوا بدعاً في تلك الدعوة فالحرية ينزع إليها الإنسان بهواه وشهواته وغرائزه، وقد أخبرنا القرآن الكريم إنكار الكفار على سيدنا شعيب - علي
المزيد