بعد خطاب أوباما قرَّت أعينُ (العرب)!
كتبهاد. أسامة ، في 13 حزيران 2009 الساعة: 16:58 م
بعد خطاب أوباما قرَّت أعينُ (العرب)!
د/ أسامة عثمان.
ونحن في صفوف الدراسة الأولى، مرت بنا قصة بسيطة, أجملها بالآتي:" في إحدى مراكز محو الأمية، استخدم المعلم أسلوبا للتشجيع على تعلم القراءة؛ بأن يكتب على السبورة كلمة, ومَنْ يُحسنْ قراءتها، ينلْ مسماها، وقد كتب كلمة (حَبْل), وطلب من أحدهم قراءتها؛ فقرأها (جملا) ولم تفلح محاولاتُ المعلم في تصويبه, وإقناعه بحقيقة الكلمة، ثم تبين بعد ذلك، أن الرجل الفلاح كان محتاجا إلى جمل، ولذلك لم يرَ الكلمة إلا جملا.
هذه القصة تتناسب وحالَ العرب الرسميين, ومن لف لفهم, مع خطاب أوباما, ومواقفه، حال أشبه ما تكون بالتواطؤ على رؤية الواقع على غير حقيقته.
ولا غرابة في أن يحاول أوباما تسويق بلده الذي تآكلت مصداقيته، بعد الوضوح الذي اتصفت به سياسات سلفه, بوش الابن, ولا غرابة كذلك أن يتوجه باهتمام خاص إلى العالم الإسلامي؛ بالرغم مما يعنيه ذلك ضمنا من اعتراف بهذه الأمة على أساس انتمائها الديني، وهذا بالتأكيد يعكس ما توليه أمريكا للعالم الإسلامي, ولمواطنيه, ونخبه الثقافية, على عكس ما يروج له (الواقعيون) من تهوين شأن العرب، وأنهم لا قيمة لهم، وأنه ليس أمامهم إلا القبول بما تطرحه أمريكا من مشاريع في العراق, وأفغانستان, وفلسطين, وغيرها.
ولكن الغريب أن يقابل بترحيب يوهم أن ثمة تغييرا عميقا حصل في السياسة الأمريكية تُجاهنا، وحجتهم في ذلك أن لغة الخطاب تغيرت, وأن ثمة موقفا ثابتا تعلنه إدارة أوباما من قضية الصراع مع (إسرائيل) ومنه الموقف من الاستيطان, وحل الدولتين.
أما اللغة؛ فليس الكلام المجامل الذي لا يمس المواقف الفعلية, والمخططات المتواصلة، باعثا لأي اقتناع بتغير في السياسة الأمريكية، وإن كان ثمة تخفيض في حدة الخطاب المعادي للقيم الإسلامية, وفي استهداف مناهج التعليم, وغيرها؛ فمرده إلى أن أمريكا قد غيرت من أولوياتها, واضطرت إلى تخفيض سقف أهدافها, بسبب التورط في العراق, وأفغانستان, وكذلك بسبب الأزمة المالية, ومع ذلك ما زالت الإدارة الحالية تمثل استمرارا لجهود الإدارة السابقة, وامتدادا لمشاريعها في أفغانستان, وفلسطين, والعراق، لا يظن أن الفضل في (الانسحاب) من العراق يعود إلى أوباما, وإن كان من مؤيديه؛ فقد بدأت بوادره منذ لجنة بيكر- هاملتون التي تكونت من خبراء ديمقراطيين وجمهوريين.
وقد كان مما توصلت له تلك اللجنة أن (حل النزاع في الشرق الأوسط) والقضية الفلسطينية له أهمية مميزة في استقرار المنطقة, ومن ثم المحافظة على المصالح الأمريكية فيها, وهذا ما أكده كبار الساسة في إدارة أوباما: أن إقامة دولة فلسطينية مصلحة قومية أمريكية.
ولكننا على الصعيد الميداني, في أفغانستان وفلسطين، نرى اشتدادا في المساعي الأمريكية التي ترعاها المؤسسة الأمنية الأمريكية، وقد تفاقمت الحرب على المناطق الحدودية في باكستان، كما اشتدت ملاحقة السلطة للمقاومة في فلسطين. وكل ذلك بضغوط أمريكية, أو مشاركة, ورعاية أمريكية حثيثة ومباشرة.
والكل لاحظ كيف أن ملامح أوباما كانت تشتد, وإصراره الخطابي يرتفع كلما تناول (إسرائيل) والالتزام بأمنها, ورفض أي عمل مقاوم ضد احتلالها للضفة وغزة, واستهتارها باحتلالها السرطاني الذي طال. كما بدا واضحا ومصرا على ضرورة التزام حماس بشروط الرباعية الدولية, من اعتراف بـ (إسرائيل) ونبذ (العنف) وغيرها.
فهل عميت أبصار المداحين لأوباما عن هذه الوقائع, وغيرها؟ أم أنهم -كما قيل- كانوا ينتظرون بلهفة ما يسعف استعدادهم المسبق للانخراط في المشاريع الأمريكية؟ وقد انخرطوا فيها أيام المتعجرف بوش؛ فكيف والرئيس هو أوباما الذي يطرح عليهم تحية الإسلام؟
إن الواحد منا لا يقبل أن ينخدع في شأن, ولو صَغُر, من شؤونه الخاصة, وتراه يناضل، إذا تعرضت مصالحه الشخصية عنها أعند نضال وأشرسه، ولكن إذا تعرضت مصالح الأمة, ومقدراتها, ومصائر أبنائها للخطر, والاستهداف؛ فإن الكثيرين، يبذلون سخاء وتسامحا, وكأنهم لا يريدون أكثر مما يعرض عليهم!
كان الأولى فيمن تسرع في مديح أوباما وإطرائه أن يولي الأمر ما يستحقه من الدراسة المتأنية والمعمقة, وأن يعلق على الأقل موقفه, حتى يرى ما ستفعله هذه الإدارة, فيما وعدت به, وإن كان الفعل باديا, والاستمرارية في المشاريع الأمريكية, ووسائلها العداونية في أفغانستان, وفلسطين لا تحتاج إلى انتظار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثقافة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























