محاكمة البشير ليست أولوية أمريكية
كتبهاد. أسامة ، في 23 أيار 2009 الساعة: 14:53 م
|
||||
|
||||
|
د. أسامة عثمان
تتوَشَّحُ العلاقات الأمريكية السودانية بوشاحٍ من التَّوَتُّرِ والشكوك، ففي عام 1993، صَنَّفَتِ الولايات المتحدة السودانَ ضِمْنَ الدول الراعية للإرهاب؛ لعلاقاتها مع القُوَى الإسلامية الراديكالية. وحاليًا تَفْرِضُ الحكومة الأمريكية عقوباتٍ على السودان. وقد سبق في آب/ أغسطس 1998م أنْ دَمَّرَت أمريكا مَصْنَعًا سودانِيًّا لإنتاجِ الأدوية، ادَّعَتْ أنه كان يُسْتَخْدَمُ في إنتاج الأسلحة الكيماوية، رابطةً إياه بابن لادن، الذي عاش في الخرطوم خِلَال الفترةِ ما بين عامَيْ 1991 و 1996م . وعلى الرُّغْمِ من تزايُدِ الانتقادات التي وَجَّهَتْهَا إدارة الرئيس بوش الابن لكثيرٍ من سياسات الحكومة السودانية، إلا أَنَّهَا لم تَتَّخِذْ إجراءاتٍ مباشرةً ضِدَّ السودان، باستثناءِ الْمُقَاطَعَةِ الاقتصادِيَّةِ. ويتمَوْضَعُ نظامُ الإنقاذ في حَيِّزِ الدولة الداعمة للمقاومة، ويُبْدِي تعاطُفًا عَلَنِيًّا معها، ويُرَحِّبُ بقادة حماس، ويُفْسِحُ لهم مجالًا رحْبًا للنشاط السياسيِّ، والْحَشْدِ الإعلامِيِّ, وغيرِهِ، وفي هذا السياق فُهِمَتِ الضَّرْبَةُ التي يُرَجَّحُ أن "إسرائيل" نَفَّذَتْهَا على شاحناتٍ- قيل إنها كانت تَحْمِلُ أسلحةً في طريقها إلى غزة, وبحسب ما نقلت صحيفة "يديعوت أحرنوت" عن نيويورك تايمز، فإنّ اثْنَيْنِ من كبار المسئولين الأمريكيِّين، أكَّدَا أن "إسرائيل" هي التي قامتْ بعمليات القَصْفِ داخِلَ الأراضي السودانية. ولا يعادي نظامُ البشير حزبَ الله، ولا إيران، بل إن العلاقاتِ بين الخرطوم وطهران، لا نستطيع وَصْفَهَا بالبرودة، أو الفتور. وفي نفس الوقت، ثمة علاقات أَمْنِيَّةٌ بين الولايات المتحدة والسودان، لا تُنْكَرُ. وقد كانت أمريكا راعيةً لاتفاقِ السَّلَامِ في جنوب السودان, واتفاقاتِ نيفاشا؛ ففي عَهْدِ إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، حَضَرَتْ أمريكا محادثاتِ نيفاشا (كينيا) التي أدَّتْ إلى اتفاق الشمال والجنوب، ومفاوضاتِ أبوجا (نيجيريا) التي أسفرتْ عن تَوْقِيع اتفاقية «سلام دارفور» ولأمريكا- كما هو معروف- علاقاتٌ ديبلوماسيَّةٌ مع السودان، وقد أعادَتِ السودان فَتْحَ سفارَتِهَا في (13 أبريل/ نيسان/ 2001م) في واشنطن، ويقوم مقامَ السفير في السفارة الأمريكية بالخرطوم القائمُ بأعماله ألبرتو فرنانديز، الذي صَرَّح أواخِرَ شهر ( مارس/ آذار/ 2009م) قائلًا: "إن الحوار بين الإدارة الأمريكية والحكومةِ السودانية مُسْتَمِرٌّ، وإن إدارتَهُ تَبْحَثُ مع الخرطوم عن الطُّرُقِ المناسِبَةِ لدراسة المشاكل والعَقَبَاتِ والتَّحَدِّيَات المشتركةِ لِتَقْوِيَةِ الحوارِ من أجل تَسْوِيَةِ القضايا العالِقَةِ التي تُعَطِّلُ تطبيعَ العلاقات بين البلدين.. ورأى أن الفترة الْمُقْبِلَةَ تَحْتَاجُ إلى «إبداعٍ دبلوماسي». وفي تَطَوُّرٍ لافِتٍ، أُعلِنَ عن قرب الانتهاء من مبنًى جديدٍ وضَخْمٍ للسفارة الأمريكية في الخرطوم، وأكّد دبلوماسيون أمريكيون في العاصمة السودانية لـصحيفة «الشرق الأوسط»، أنّ المبنى الجديد يَحْتَلُّ مساحة 40 ألف متر مُرَبَّع جنوبَ الخرطوم، بمقدارِ مساحةِ مَدِينَةٍ بكاملها، وأن واشنطن تُعَوِّلُ على تلك السفارة الجديدة أنْ تَلْعَبَ في العاصمة السودانية دَوْرًا دبلوماسيًّا كبيرًا يُغَطِّي كل دول أفريقيا. فما موقف إدارة أوباما من محاكمة البشير؟ لم تكن الولايات المتحدة هي مَنْ حرَّك الدعوة القضائية ضد البشير، بل إنها حاولتْ تَجَاهُلَهَا, أو النَّأْيَ بنفسها عنها، وقد كثَّفَتْ بعد صدور مذكرةِ توقيف البشير من نَشَاطِها الدبلوماسي، لاحتواءِ الأزمة، استمرارًا لِنَهْجِهَا الحواريِّ الذي لم يَنْقَطِع مع الخرطوم، وتوَّجَتْ ذلك بتعيين مبعوثٍ خاصٍّ، هو الجنرال سكوت غرايشن ،الذي يبدو مَعْنِيًّا بالصداقة والتعاوُنِ مع الخرطوم، كما صَرَّح في زيارته الأولى إلى السودان،( الحياة - 03/04/2009), الأمر الذي سارَعَ البشير إلى اعتباره تغييرًا مُرَحَّبًا به في اللهجة الأمريكية, كما نقلت مصادر صحفِيَّةٌ أن غرايشن صَرَّح بعد لقائه وكيلَ وزارة الخارجية السودانية مطرف صِدِّيق، أن الولايات المتحدة والسودان يُرِيدانِ أن يكونا شَرِيكَيْنِ، وأنهما يحاولانِ إيجاد الفُرَصِ لتعزيز علاقاتهما الثنائية. وبعد أن طرد السودان عددًا من الْمُنَظَّمات الدولية العاملة في دارفور، لم تَتَّخِذْ أمريكا تلك الخطوة سببًا لتأْلِيبِ الرَّأْيِ العام العالمي ضِدَّ السودان، كما فعلتْ في ظروفٍ سابقةٍ مع العراق، مثلًا، بقدر ما حاولتْ إيجادَ البدائِلِ، فقد نقلتْ وكالة «رويترز» عن مُوفَدِ أوباما، الجنرال غرايشون، قوله في اتصالٍ هاتِفِيٍّ من شمال دارفور: "إنّ الإقليم السوداني يُوَاجِهُ أزمةً إنسانِيَّةً أكثرَ عُمْقًا، بعدما طردت الخرطوم منظماتِ الإغاثة. وأنه سَيَحْتَاج خلالَ أسابيع إلى عمليات إغاثة جديدة. وقال غرايشون للصحافيين هاتفيًّا : «إنني قَلِقٌ للغاية لما رأيته. نحن على شفا أَزْمَةٍ أَكْثَرَ عُمْقًا في دارفور. علينا أنْ نَخْرُجَ بحلول على الأرض في الأسابيع القليلة المقبلة… يتعَيَّنُ علينا أن نَزِيدَ قُدْرَةَ وعددَ وكالات المساعدات التي تتمَكَّنُ من نَقْلِ المساعدات من المخازن إلى نقاط التوزيع، ثم إلى الناس في هذه المخيمات». وتبدو الاستراتيجية الأمريكية في السودان أكثرَ شُمُولًا من أزمة دارفور، دون أن تُغْفِلَ الوَضْعَ الساخِنَ في الإقليم الغَنِيِّ بموارِده ، مع محاولةِ تَوْجِيه الرأي العام إلى صعوبةِ حَلِّ تلك المشكلة، واحتياجِها إلى وقت، دون الدَّفْعِ نحو اعتقال البشير، أو مُحَاكَمَتِهِ؛ لما تراه من مخاطِرَ على استقرار السودان، في الوقت الذي تستَمِرُّ فيه بالتعاون مع النظام السوداني، وعدمِ مُقَاطَعَتِه، أو العمل على عَزْلِه، بل إنها تحاول دَفْعَ الأطراف الأخرى، مثل حركة العدل والمساواة، نحو القبول باتفاقِ سلامٍ وتَسْوِيَةٍ في دارفور. فقد قال الناطق الرسمي باسم الحركة، أحمد حسين آدم، ، لـ«الشرق الأوسط»: إن مبعوث الرئيس الأمريكي للسودان اجتَمَعَ مع رئيس الحركة الدكتور خليل إبراهيم، وقياداتٍ أخرى معه في العاصمة التشادية أنجمينا لِيَوْمَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ. وأضاف: أن المباحثاتِ تَرَكَّزَتْ حول طلب المبعوث أنْ يَتِمَّ الاتفاق بين الخرطوم والحركةِ حول عمليةِ وَقْفِ إطلاق نار لمدة 90 يومًا في دارفور، إلى جانب الأوضاع الإنسانية، بعد طَرْدِ المنظمات، مُشِيرًا إلى أنّ وَفْدَ حَرَكَتِهِ اشترط أنْ يَتِمَّ وَقْفُ إطلاق النار وَفْقَ اتفاقٍ إطارِيٍّ، وأنْ تُنَفِّذَ الخرطوم ما اتفقت عليه مع الحركة في الدوحة في فبراير (شباط) الماضي، وتابَع: «نحن ذاهبون إلى الدوحة بوفدٍ من سبعةٍ من قيادات الحركة، بناءً على رَغْبَةِ الوُسَطَاءِ، لا سيما المبعوث الأميركي الخاصّ اسكوت غرايشن، الذي اصطحب معه عددًا من القيادات في طائرته أمس». وترتكز استراتيجية أوباما التي أَعْلَنَهَا أمام أعضاء بالكونغرس أواخِرَ شهر مارس/ آذار من العام الجاري على ثلاثَةِ محاور، هي: -عَوْدَةُ الْمُنَظَّمَاتِ الإنسانية إلى السودان. -«تنشيط» اتفاقية السلام الشامل بين الشمال والجنوب. -البَحْثُ عن آليةٍ لإجراء مفاوضات بين الحركات المسلحة في دارفور، وحكومة الخرطوم، برعاية أمريكيَّةٍ، تُؤَدِّي إلى اسْتِتْبَابِ الوَضْعِ بكيفِيَّةٍ نهائِيَّةٍ في الإقليم الْمُضْطَرِب. وينسجم هذا التَّوَجُّه السِّلْمِيّ لإدارة أوباما مع التَّوَجُّهِ الأمريكي الذي يَسْتَبْعِدُ المواجهة العسكرية, ولاسِيَّما في السودان؛ إذْ ترى أوساطٌ من الخبراء الأمريكيين، منهم على سبيل المثال، جون برندرجاست، مساعِدٌ سابق لكلينتون، أنّ الولايات المتحدة ليس لديها القُدْرَةُ على تهدئة هذه المنطقة عسكريًّا، ولكنه يقول: " إن الولايات المتحدة في حاجَةٍ إلى الحلول السياسية. وهذا الإدراك لِعَدَمِ قدرة الولايات المتحدة على حل الأزمة السودانية عَسْكَرِيًّا، وحاجَتِهَا إلى العمل السياسي، مُنْتَشِرٌ أيضًا داخِلَ الأوساط السودانية. فسفير السودان لدى الأمم المتحدة "عبد المحمود عبد الحليم محمد" يقول عن دعوة الرئيس الأمريكي أوباما ونائبه بايدن إلى العمل العسكري: "إنها كانتْ مُجَرَّدَ شعارَاتٍ انتخابية"! |
||||
الإسلام اليوم
http://www.islamtoday.net/albasheer/artshow-14-112669.htm
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثقافة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























