رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً


الانقسام الفلسطيني… من يصرخ أولا ؟!

كتبهاد. أسامة ، في 8 أيار 2009 الساعة: 12:42 م

 

الانقسام الفلسطيني… من يصرخ أولا ؟!
د/ أسامة عثمان.
 
 
لقد كان وهم السلطة أكبر خادع ، لكل من انخرط فيه، وكذلك لمن شارك فيه, وهو لا يسلم بالانصياع للشروط الدولية، والاتفاقات الموقعة التي تمخضت عنها السلطة الفلسطينية، وكانت ثمنا لها! ذلك أن الدول الحقيقية تنشأ على سلطان ذاتي من أهلها، وفي مثل فلسطين المحتلة تصبح السلطة جديرة عند التحرير، واسترداد الإرادة، والإمساك بالمقدرات والموارد، ولعل من أهم مقوماتها في عصرنا القدرة الإنتاجية , والقدرة على توفير الأمن للمواطنين.
 
وقد قبلت منظمة التحرير الفلسطينية بتوقيع اتفاق أسلو بحجة الاختلال الذي عرفه العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وتفرد أمريكا بالهيمنة على العالم؛ فرأوا خطرا يهدد القضية الفلسطينية بالتصفية، أو الإهمال؛ فوافقوا على توقيع اتفاقية أوسلو مع ما فيها من إجحاف، وتعويلهم كان على رعاية المجتمع الدولي لعملية السلام، وكان البعض يعول على خيارات الشعب الفلسطيني؛ إذا استشعر وقيادتُه، محاولات للتعدي على حقوقه، أو القفز على ثوابته.
 
ولكن السلطة، وقد ارتضت بالاضطلاع بأعباء الشعب في الضفة وغزة، والقيام على القطاع الصحي والتعليمي، وغيرهما، وما يعنيه ذلك من تحمل مسؤولية الآلاف من الموظفين، بالوفاء بالراتب عند كل آخر شهر، لمَّا ارتضته ، أصبح ذلك قيدا، وسيفا مسلطا، وموضعا للابتزاز، وقد كانت الرئيس الراحل ياسر عرفات قد هدد بحل السلطة، حين اشتشعر إهمالا، وتنصلا "إسرائيليا" من استحقاقات "السلام" ؛ فاستحال، حينها السلاح إلى ضده.
 
يدرك أبو مازن وقيادة السلطة مدى حراجة وضعهم السياسي؛ بعد تصاعد نشاطات اليمين "الإسرائيلي"؛ بالاستيطان، وتهويد القدس، ورفض حل الدولتين، واشتراط الاعتراف بيهودية "إسرائيل" ولكنه يحتمي بموقف عربي، ولا يعزم على اتخاذ خطوة انفرادية، دون الرجوع إلى الدول العربية، وجامعة الدول العربية، علما أن العرب لا ينطوون على قرارات دراماتيكية في هذا الشأن، فقد تعرضت المبادرة العربية إلى أخذ ورد، وهددت الدول العربية أنها لن تبقى معروضة إلى الأبد، ولمح عمرو موسى في اجتماع وزراء الخارجية العرب إبان العدوان على غزة إلى خيارات أخرى، من ضمنها العسكري، مذكرا "إسرائيل" بحروب خاضها العرب، ولا سيما مصر وسوريا معها؛ فما المدى الذي يمكن أن يذهب إليه العرب؛ إذا استمرت "إسرائيل" في التمادي في مشاريعها في هدم البيوت، ومصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات، التي تفصل جنوب الضفة عن وسطها، وتجعل مع غيرها من الكتل الاستيطانية من قيام دولة فلسطينية امرا مشكوكا فيه، إن لم يكن مستحيلا؟
 
لكن "إسرائيل" ليست وحدها في الساحة، وإن كانت هي اللاعب الأساسي على الأرض، تفرض وقائع جديدة تأمل في شرعنتها بالتقادم، وبالأمر الواقع، نعم، ليست هي وحدها؛ فهي تقع ضمن منطقة مهمة وحساسة، وللولايات المتحدة فيها مصالح، ومشاريع، ومن أهم مرتكزات الاستقرار فيها حل"عادل" للقضية الفلسطينية يقوم على حل الدولتين؛ ولهذا تبدو أميركا غير مكترثة كثيرا بما تقوله حكومة اليمين، أو تفعله، وهي تشرف بنفسها على أجهزة الأمن الفلسطيني بإشراف الجنرال الأمريكي كيث دايتون الذي نجح في رفع مستوها, إلى درجة لم تجد معها "إسرائيل" مفرا من الاعتراف بذلك، وهو من شأنه أن يسقط بعض ذرائعها الأمنية.
 
فهذا حال الضفة والسلطة فيها، فما حال غزة؟ حاولت حركة حماس التي تحكمها الاكتفاء بالانتخابات، والتفويض الشعبي لتغيير قواعد اللعبة، وعولت على الدعم العربي، أو الشعبي؛ فهل نجحت؟
 
أما التفويض الشعبي فمنقوص؛ لأن الشعب الفلسطيني المفوِّض، شعب محتل، وواقع في منطقة عربية لها ارتباطاتها والتزاماتها، وحتى بعض الجهات التي ترفع أصواتها بالدعم والمساندة، كحزب الله ، مثلا، أضحى بعد قرار  1701 مقيد التحركات والخيارات، كما صعَّبت الحربُ ونتائجها على لبنان، على مستوى الخسائر والأضرار، أو على صعيد القوى اللبنانية الأخرى،  أية مواجهة جديدة مع" إسرائيل" فضلا عن كونه، لا يخرج كثيرا، أو قليلا عن الدول التي ترعاه، إيران وسوريا، وكلاهما يحاول إنهاء حالة الحرب مع "إسرائيل" أو يقبل بها على أقل تقدير، كما صرح بذلك نجاد مؤخرا. وأما مصر فهي ترتبط باتفاقية سلام مع "إسرائيل"، وتلتزم بها، مهما حصل من تطورات في الجانب الفلسطيني، اللهم إلا من تخفيض لمستوى العلاقات الديبلوماسية، ومحاولة التهدئة، ونزع فتيل الانفجار.
 
الشعب الفلسطيني في الضفة, وفي غزة يعاني، مع اختلاف نوع المعاناة، وقد كشفت استطلاع أعده مركز القدس للإعلام والاتصال عن ارتفاع شعبية فتح وأبو مازن في غزة، وانخفاض شعبيتهم في الضفة، على العكس من حماس التي أفاد الاستطلاع بارتفاع شعبيتها في الضفة وتراجعها في غزة، وبغض النظر عن دقة هذا الاستطلاع، فإنه قد يشير إلى استشعار المواطن الفلسطيني ضيقا وتبرما من أحواله بصفة عامة، وسعيا للتغيير؛ فلا المواطن في الضفة حصل الأمان، ومدنُه تجتاح يوميا، بالليل وبالنهار، والممارسات الاحتلالية والتنكيل بالمواطنين ما توقفت داخل مدنهم، وخارجها في تنقلاتهم على الحواجز "الإسرائيلية" فضلا عن استشعاره انسدادا في الأفق السياسي، وتهديدا لأراضيه، ومقدساته، ووجوده كله!
 
ولا المواطن في غزة الذي يعاني ظروفا معيشية صعبة ولا إنسانية، ونفقا مظلما لا ضوء في آخره، يستطيع الصبر إلى الأبد.
 
فعلى من يقع اللوم؟ لا نغالي إن قلنا إن الوضع الفلسطيني مؤشر على الحالة العربية العامة، وفلسطين وقواها السياسية واقعة تحت تداعيات المخاض الذي يمر به العالم العربي والمنطقة؛ فمن غير العدل تحميل الفلسطينين اللوم وحدهم، وهم تحت الاحتلال منذ عقود ربما أنهك البعض، أو دفعه إلى حركات يائسة، بالتوجه نحو الاقتتال، أو التصرفات الكيدية، والثأرية؛ فهل يترك الاحتلال الطويل الشعب دون ندوب، أو جراح؟ وهل يتنصل العرب من قضية فلسطين، بالزج بالفلسطينيين وحدهم بمواجهة "إسرائيل" وشروطها، وأمريكا واشتراطاتها ؟!
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثقافة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر